إلغاء العملة السورية القديمة: هندسة نقدية لإحكام القبضة وتكريس التبعية الاقتصادية

أعلن مصرف سورية المركزي عن تحديد يوم الثلاثاء، الثلاثين من تموز لعام 2026، كمهلة نهائية لصلاحية العملة القديمة والتداول بها، مؤكداً متمسكها بقوتها الإبرائية الكاملة في كافة العمليات والتسويات المالية وضمن نقاط الاستبدال الرسمية المعتمدة حتى ذلك التاريخ. وأوضح المصرف أنه بانتهاء هذه الفترة ستفقد الفئات النقدية القديمة صفة التداول القانوني، مع الإشارة إلى أن ذلك لن يسقط حق حامليها في التعويض؛ إذ ستستمر عملية السحب والاستبدال لدى المصرف المركزي حصراً على مدى خمس سنوات مقبلة، ووفق آليات وإجراءات تنظيمية سيتم الإعلان عنها في وقت لاحق.
هذه الخطوة المتسارعة لا يمكن قراءتها بمعزل عن السياق السياسي الحاكم في دمشق؛ إذ تأتي كأداة مالية مباشرة تلجأ إليها سلطة الأمر الواقع لتجريد الشارع من مخرجاته المالية القديمة وإعادة صياغة الهوية الاقتصادية للبلاد بما يخدم مصالحها الاستبدادية. إن المنظومة التي يتزعمها الجولاني، والتي اغتصبت السلطة في العاصمة أواخر عام 2024، تسعى اليوم عبر هذا القرار إلى مأسسة نفوذها وتطهير القطاع المصرفي من أي مظهر يرتبط بالمرحلة السابقة، محولةً الإجراءات النقدية إلى واجهة لفرض شرعية مالية قسرية.
ويعكس هذا التوجه الاقتصادي الراديكالي جوهر النهج السلفي التكفيري الذي يوجه هذه السلطة في إدارتها لشؤون البلاد؛ حيث لا تقتصر رؤيتها الإقصائية على المشهدين السياسي والعسكري، بل تمتد لتشمل صياغة نموذج اقتصادي أحادي الجانب يلغي أي هوامش للمناورة خارج عباءتها. ومن خلال سحب الكتلة النقدية القديمة وحصر عمليات الاستبدال بآليات تنظيمية لاحقة، تحاول سلطة الأمر الواقع تجفيف القنوات المالية المستقلة وإجبار السوريين على الخضوع لمنظومة ضبط مالي متشددة، مما يضع المواطن أمام خيارات معيشية ضيقة تُرسخ من قيد التبعية المطلقة لسلطة وظفت السلاح للاستيلاء على مقدرات الدولة، وتحاول الآن تطويع لقمة عيش السوريين لتثبيت أركان حكمها الأيديولوجي.



